ابو القاسم عبد الكريم القشيري

50

لطائف الإشارات

قصودنا إليك عن دنس الآثار ، ورقّنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جمع ساحات القرب والوصال . [ فصل ] حل بيننا وبين مساكنة « 1 » الأمثال والأشكال ، بما تلاطفنا به من وجود الوصال ، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال . [ فصل ] أرشدنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات ، ويقع على وجه التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال . « اهدنا الصراط المستقيم » أي : أزل عنّا ظلمات أحوالنا لنستضىء « 2 » بأنوار قدسك عن التفيؤ بظلال طلبنا ، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك ، فنجدك بك . [ فصل ] اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان ووساوسه ، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها ، أو يصدنا عن الوصول تعريج في أوطان التقليد ، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لي معتاد من التلقين ، وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة ، وظن أو عادة ، وكلل أو ضعف إرادة ، وطمع مال أو استزادة . [ فصل ] الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل ، وليس للبدعة عليه سلطان ولا إليه سبيل . الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد ، ونبهت عليه شواهد التحقيق . الصراط المستقيم ما درج عليه سلف الأمة ، ونطقت بصوابه دلائل العبرة . الصراط المستقيم ما باين الحظوظ سالكه ، وفارق « 3 » الحقوق قاصده . الصراط المستقيم ما يفضى بسالكه إلى ساحة التوحيد ، ويشهد صاحبه أثر العناية والجود ، لئلا يظنّه موجب ( ببذل ) « 4 » المجهود .

--> ( 1 ) وردت ( ساكنة ) والأصح بالميم فقد جاءت كذلك في مواضع كثيرة أخرى . ( 2 ) وردت خطأ ( لنصتضىء ) . ( 3 ) وردت ( وفارن ) في ص ، والأصح أن تكون بالقاف ؛ فالحظوط للعبد والحقوق للحق . ( 4 ) وردت ( بذل ) بدون باء والأقوى في رأينا أن تكون بالباء وأن نقرأ موجب بفتح الجيم أي مستحق ، وبذلك يتضح موقف القشيري من قضية هامة وهي ؛ هل يجب على اللّه أن يثيب المطيع ؟ ولا يرى القشيري هذا الوجوب لأنه يربط كل عمل للعبد بالعناية الإلهية لا بالمجهود الإنسانى . وقد صدق الرسول ( ص ) حين قال : « ما منكم من أحد ينجيه عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » .